18 أبريل 2012

خواطرى حول النوبة القديمة , الهجرة , التهجير , العودة

بقلم / صقر عبد الصادق هلال 

تعد الكلمات الأربعة التي تعنون مقالتي محورية بذاكرة غالبية النوبيين سواء المقيمين فى قري النوبة "التهجير" او فى المدن. سواء كانوا من الجيل الأول الذي عاش تجربة الهجرة او الجيل الثاني الذي سمع بها وبني تصوراته عنها فى خياله.

أتصور أن تناول هذه الكلمات المحورية او النقاط المشتعلة فى الذاكرة النوبية الفعلية او المتخيلة يساعد علي فهم المسالة النوبية بطريقة مختلفة وعدم اقتصارها علي الفهم المادي فقط, ويمكننا ولو جزئيا من ادارك البعد المعنوي والغير محسوس لثقافة هي فى الأساس شفهية ومعاشة بشكل أساسي وبهذه الخصال قاومت واستمرت لآلاف السنين.

وسوف أتناولها من خلال منظوري ذاتي كمعايش ومتفاعل معها محاولة الوقوف علي شكل او طبيعة تلك الكلمات داخل تكويني كأحد أبناء الجيل الثاني ولد باحدي قري التهجير.



النوبة القديمة:

انا من مواليد دهميت وهي قرية صغيرة (500 نسمة) تقع فى التهجير او النوبة الجديدة او مركز نصر النوبة. ونصر هو تحريف لناصر حيث ان الاسم الشعبي للمركز هو "مركز ناصر" او "التهجير". قريتي تبعد عن النيل 2-3 كيلو ويفصلها عنها جبل واراضي قرية فطيرة وقرية فارس (قري غير نوبية مستقرة قبل هجرة النوبيين فى 1964). لم اعش بالنوبة القديمة لكنها محفورة فى ذاكرتي من خلال مجموعة من الحكايات والاغاني والصور الحقيقية والمتخيلة.

معلوماتي عن النوبة القديمة مصدرها الاساسي جدتي ام ابي التي كانت تحكي لي عن النيل وعن الارض التي كانت تزرعها وعن نظافة النوبة القديمة وعن الموالد. لكن ظل هذا هامشيا فى مقابل المصدر الاكثر تاثيرا فى صورة النوبة القديمة فى ذهني والمتمثل فى الاغاني النوبية. لا اعرف اذا كانت هناك دراسات عن دور الغناء فى حفظ التراث الشفاهي النوبي ولكني اتصور انه لولا حسن جزولي (مثال تلك الاغنية المقارنة بين النوبة القديمة والتهجير لحسن جزولي علي خلفية صور للنوبة القديمة مترجمة بالعربية : http://www.youtube.com/watch?v=_TmNu1bJoaQ&feature=related ) ومن بعده حسن الصغير وبشكل متاخر احمد منيب لما تشكلت لدي صورة ذهنية عن النوبة القديمة. حتي سن ال 18 كانت هذه هي المصادر الاساسية لي عن النوبة القديمة وتمثلت فى صورة بيوت جميلة ملاصقة للنيل وملونة ومفروشة بالرملة المغربلة والمغسولة هذه البيوت متلاصقة ومبنية من خلال تعاون اهل القرية وكان هناك سبيل علي الطريق العمومي (مكان يستقبل عابري الطريق وبه ازيار للمياه) لضيافة الماريين والعابرين. كل ما يرتبط بالتعاون والمحبة والصفاء تعلمته من مرثيات حسن جزولي للحياة فى النوبة القديمة وهو ينعي منظومة القيم التي ضاعت نتيجة للهجرة وخراب النفوس نتيجة للاغتراب. في حين تكونت الصورة الوردية للنوبة القديمة كفردوس ارضي فى كلمات حسن الصغير وايضا احمد منيب (بلاد الذهب), بعد ان كبرت قليلا بدات اقرا عن النوبة القديمة وساهمت ترجمة د.احمد سوكارنو لكتاب جون كندي بالاضافة الي كتبه المتوفرة بمكتبة مركز شباب قريتي فى زيادة معرفتي عن النوبة القديمة بالاضافة الي قصص حجاج ادول تحديدا (ليالي المسك العتيق و الكشر).

وكانت احاديث والدي قليلة ومقتضبة عن الزراعة ونهايتها بعد التعليات المختلفة للخزان (1902 ثم 1923 ثم 1033) وكيف ان اهالي دهميت كانو يرسلون ابناؤهم للمدن كي ينجو بهم ولا يموتو جوعا فى بدايات القرن الماضي ثم تحول الامر الي استراتيجية راسخة لديهم. لا يمكن ان انسي ايضا ان الصورة الذهنية اكتملت من خلال مئات الصور التي انتشرت بعد انتشار الانترنت وللمصادفة كانت الكثير من الصور من دهميت وفي بعض جلسات السمر فى نهايات 2000 كنا نتعرف علي اصحاب الصور التي التقطت فى بدايات الستينات لاطفال ولنساء او لشباب القرية فى ذلك الوقت.



الهجرة والتهجير:

مرة أخري تمثل الرثائيات والأغاني اهم مصادري عن مأساة الهجرة فاغنية خضر العطار مثلا التي يقول فيها "قالو كوم امبو الجنة الخضرا لقينا كوم امبو النار الحمرا" احدي اهم الاغنيات التي انتشرت للتعبير عن معاناة النوبيين بالاضافة للاغاني النوبية التي تتحدث الي السد الذي هدم جنتنا الارضية. النوبة الجديدة اذن هي الجحيم الذي انتقلنا اليه مقارنة بالنوبة القديمة التي لم اراها.

واعترف ان دراستي للفقر الريفي وتنقلي بين قري صعيد مصر قد الغت لدي فكرة جحيمية مركز نصر مقارنة بغالبية قري الصعيد التي زرتها لكن تظل مقارنتها بالصورة الذهنية للنوبة القديمة ومدي تهميش الانسان النوبي تسبب الالم لي. خاصة بعد ان قرات وصف هوبكينز (استاذ بالجامعة الامريكية بالقاهرة) وفريدريك فوجل(استاذة بالجامعة التي ادرس بها بفرنسا) عن عملية التهجير بانها تمت علي غفلة من الزمن حيث كانت صورة السد واغانيه تشغل حيزا كبيرا فى حين ان نقل معبد ابوسمبل شغل ايضا الحيز المتبقي ولم تتبقي أي مساحة للحديث عن البشر "الانسان النوبي" الذي اختفي او استبعد او تلاشي امام العملاقين "السد" و "المعبد".

التهجير هي العملية التي تمت وهي اسم المكان الذي ولدت فيه. وتزداد المفارقة بان يلتصق اسم الوطن الجديد بالشخص الذي تسبب فى هجرتنا "مركز ناصر" كما قلت فانت محاصر بذكري عملية التهجير وبشخص المهجر فى كل مكان بموطنك الجديد وبكل اوراقك ففي كل مرة اضطر ان اسجل محل اقامتي او اتفحص بطاقتي واوراقي استعيد كل ما مضي: الهجرة, التهجير وعبدالناصر. الذي لم يسمي باسمه فقط المركز الذي سكنه المهاجرين ولكن ايضا البحيرة التي يرقد تحتها رفات أجدادي. المفارقة ان البحيرة التي يقع ثلثيها فى اسوان وثلثها الاخر بالسودان, يسمي ثلثها السوداني ببحيرة النوبة في حين ثلثيها المصري ببحيرة ناصر. قد يبدو للبعض ذلك رمزيا وغير ذي قيمة ولكن كما قلت فى ظل ثقافة هي بالاساس ظلت وقاومت وحافظت علي نفسها بسبب كل ما هو رمزي ومحسوس وشفاهي تبدو تلك الممارسات والاشارت الرمزية محورية واساسية فى ذاكرة النوبي المعاصر.

انتقل الي الجزء المادي من عملية التهجير وسوف أتحدث عن تعويض ابي ووالدته كمثال فقد حصل ابي علي اقل من 21 قراط (اقل من فدان) موزع علي ثلاثة اماكن 7 قراريط علي بعد 1 كيلومتر من قريتنا, 7 قراريط علي بعد 5 كيلومتر من القرية (بالسلسلة) و 7 قراريط علي بعد 15 كيلو من القرية (وادي خريط) ظل ابي كما يحكي يزرع لمدة 3 أعوام ولكنه اضطر لتاجيرها بعد ذلك لان العائد غير مجزي ولا يستطيع ان يواصل التنقل اليومي او كل بضعة ايام بين الثلاثة مواقع و عمله مدرس. بالاضافة لذلك فقد حصل علي بيت تبلغ مساحته 200 متر وهو بالاساس بيت جدتي لابي. هذا عن الارض ويكفي ان اقارن بتعويضات المتضررين علي الجانب السوداني لنعرف مدي الظلم الذي وقع علي النوبيين بمقايس ذلك العصر وليس يومنا هذا. النوبيين السودانيين الذي هجروا ايضا بسبب السد الي منطقة حلفا الجديدة (ولاية كسلة – خشم القربة) حصلوا علي تعويض 15 فدان بغض النظر عن ملكياتهم بالنوبة القديمة (حلفا القديمة ) كما أنهم عوضوا بمنزل مساحته 400 متر مربع.

رغم كل ذلك ففكرة ان البلد التي انتقلنا اليها هي جحيم مطلق ليست حقيقية ولا دقيقة وربما تثير حفيظة جيراننا من غير النوبيين لان قرانا الجديدة مخططة, وشوارعها مستوية ونظيفة بيوتها متراصة. ليست بالضرورة بجمال البيوت بالنوبة القديمة لان الدولة هي التي صممتها وبنتها كعلب كبريت أسمنتية جامدة خالية من أي ملمح جمالي لكن النوبيات غيرن من شكل البيوت واعدن اليها بعض ملامحها النوبية القديمة وان كانت لم تستعد كل شئ, كما انهن نظفن الشوارع وزرعن الاشجار وبنين المزيارات علي نواصي الشوارع. كما اننا ندين لاباءنا الاوائل تاسيس المدارس الجديدة واعادة بناء جيل نوبي جديد متعلم فيكفي ان اشير الي ان المدرسة الاعدادية التي درست بها – مدرسة دهميت الاعدادية هي مدرسة شعبية بناها سكان قريتي والقري المجاورة من نقود التعويضات الزهيدة وبايديهم استجابة لنداء حاج النيل رائد التعليم فى قريتي. فالتعليم الحديث ربما يكون احد المكاسب الاساسية التي تحصل عليها المهاجرين سواء بسبب كفاح الرواد المعلمين (تحديدا خريجي مدرسة المعلمين العليا بقورته) او بسبب بناء الدولة لمدرسة ابتدائية بكل قرية جديدة.



العودة

واعني هنا حق العودة الي اراضي الاجداد علي ضفاف البحيرة واعادة بناء المجتمع النوبي المثالي الذي حفرناه فى ذاكرتنا ولقنته لنا قصص الجدات والاباء والاغاني النوبية. بناء منازلنا الطيبنية ذات القباب واستعادة الحياة الفطرية واستعادة ثالوث الثقافة النوبية كما يقولون "النيل النخيل واللغة".

معنويا تكمن المشكلة فى العودة فى ان اجمل ما فى الحلم النوبي كونه حلما. والمخاطرة بتحويله الي واقع ربما تدمر الحلم والواقع معا. هذه مخاطر حقيقية انا اخشي علي ما تبقي من صور ذهنية مثالية للنوبة القديمة, اخشي علي الغناء, وعلي الشعر النوبي عن النوبة القديمة كما اخشي علي الادب النوبي الذي نمي خلال الاربعين عام الماضية. اخشي علي كل ما هو رمزي ومثالي نما فى ذهني ومخيلتي خلال الاعوام الماضية اخشي عليه من صدمة الواقع وزوال مثالية الحلم وتحطمه علي صخرة المصالح والصراعات الطبيعية علي البيت والارض والنيل.

وماديا اخشي علي ال 40 عام التي قضيتها فى دهميت الجديدة واعتبارها كانها لم تكن. لا يمكن لاح دان يلقي بذكرياته واماكنه من اجل اماكن اجداده هذه اشكالية حقيقية. انا انتمي لدهميت الجديدة التي تعلمت بها وعشت بها وتربيت بها. ذكرياتي هنا بملعب القرية بمدرستها بشوارعها وباشجار النبق والجميز بها.

هذه الاشكاليات او المخاوف التي بداخلي لا تلغي الحق ولا تمنعني من الحلم ببناء مجتمع نوبي جديد علي ضفاف البحيرة. هذه الاشكالات لا تلغي نمو روح جديدة تريد ان تستعيد الماضي بروح عصرية وان تبني نموزج لمجتمع زراعي – عضوي جديد علي ضفاف بحيرة يسكن تحتها رفاف الاجداد.

وفي النهاية هذه ليست الا خواطري الشخصية .


هناك 4 تعليقات:

  1. الله ينور موضوع جميل

    ردحذف
  2. الله عليكم ياااااا شباااااااااب دهميت والنوبة

    ردحذف
  3. احمد ميدو15 مايو 2012 10:01 م

    يا سلام موضوع جميل

    ردحذف
  4. انا معك اخى العزيز فى ما حدثتنا عنه لكن ارتكانا الفترة الطويلة الماضية كان هو السبب الذى ادى الى المعاناة التى نعيشها فى ايامنا هذه وزيادة على ذلك هجرتنا من بلاد النوبة الجديدة الى مناطق الحضر فى القاهرة والاسكندرية والسويس والاسماعلية ومعظم محافظات الوجه البحرى دون ان نواجه المصير الجديد الذى وضعتنا فيه الظروف والانسان هو الذى يصنع الحضارة وليس العكس .. فاذا كانت الحكومات المتعاقبة لها يد فيا نحن فيه لا نبرأ انفسنا باننا اخطأننا فى حق انفسنا لاننا لم ننظر فى الموقف الجديد وما العمل الذى يطينا قوة للامام عامة .. انا لا احب ان ابكى على اللبن المسكوب ولا انظر الى الخلف لكن ننظر الى ما هو آتى ونغتنم الفرصة التى امامنا ونحاول ان نحصل ولو مرحليا على اى وعود تقدم لنا ان نستفيد منها ولا نضيعها ابدا ... والله الموفق

    ردحذف