22 أبريل 2012

سقوط المماليك

بقلم  المهندس / سعيد ابو طالب


رغم إقامتى 11 سنة بشبرا الخيمة، إلا أن تحقيقات احدى الصحف عمن يبيعون أعضاءهم صدمتنى بشدة،ليس لجهلى بها ،و إنما لكونها أعادتنى بقوة للسؤال الملح.
 .................................................................. ساعات أقوم الصبح قلبى حزين......
 يظل السؤال مطروحا بقوة،يراودنى بين الحين والحين:لماذا لم تغادر هذا البلد؟ قد يغير السؤال ثوبه الخارجى محاولا خداعى،:لماذا تعيش فى أم هذه البلد بنت الكلب؟،أو: مالذى يشدك لهذا المستنقع؟.
 المهم اننى كلما دفنته فى أحشائى مهمهما بإجابات عاطفية لا ترقى لأى نقاش علمى،يطل برأسه مخرجا لسانه.
 كانت مدينتى الريفية "شبين القناطر" تغرق فى بحار من المجارى فى أوائل السبعينات،حينها هالنى-وأنا ناصرى بجنون - ماقاله المرحوم الشاعر الكبير "محمد مهران السيد" فى إحدى زياراته لنا فى "نادى الأدب" عن أن هذه المجارى هى أكبر دليل على أن حركة 23 يوليو ليست ثورة بل هى إنقلاب عسكرى فاشى.
 ألحت مقولة مهران السيد على خيالى كثيرا،لكنها سكنت تضاريسى متوارية. ظهرت بقوة حينما اختفى ذات فجر بعد أيام 67 السوداء عبد الحليم الفقى بائع القماش مصحوبا بإشاعة التعامل مع العدو الإسرائيلى ،ليعود فى بداية عهد السادات بقدم واحدة خارجا من المعتقل وينضم لحزب التجمع ، "ليه ؟ .. لأنه ناصرى" !!!
 تزوجت من بنت مصر الجديدة لتعانى فى شبين من قدر الغرف المقبضة وزفة الشباينة المصاحبة لنا فى أوقات خروجنا سويا،ورفضى" للأنجشيه" خجلا من نظراتهم، كانت القطارات بلا مواعيد،تذهب للمحطة لقطار الثامنة صباحا فيدخل المحطة حين يشاء الله !!!.
 تركنا شبين بحلوها ومرها إلى شبرا الخيمة حيث الطبقة العاملة فى كل مكان، حيث تاريخ المدرك ومحمود العسكرى وطه سعد عثمان ومحمد أبو سيف وأحمد سالم سالم وحسن الساكت وعبد العال بسطويسى وفؤاد شحتو واحمد خضر، والتقيت بالأحياء منهم فى تجمع شبرا الخيمة فى بداية الثمانينات.
 "يوركشير الشرق" معبأة بدخان المصانع وأبرز دخان كان لناروبين تستنشقه فى الصباح الباكر،وتلتقى زوجتى ب50 حالة جرب يوميا من كل 150 طفل مريض ،تفاجئك دورات المياه الملحقة بغرف النوم الرئيسية ،كما تفاجئك علاقة العمال بالسياسة وبالفكر الإشتراكى ،فعديد منهم كان حدتو أو العمال والفلاحين،والعديد إستقر به الأمر للعمل كمخبر بعد أن كف عن النضال السياسى.
 كان المرحوم بهاء المرغنى يقدم مسرحا بنادى فقير، وتقدم لطفى الخولى لإنتخابات 84 ضد فؤاد محيى الدين ومعه كانت د: ماجدة عدلى،وكانت معركة ساخنة إنتهت نهاية معروفة بإكتساح رئيس الوزراء للدائرة،ثم إنتخابات 88 وكان فارسها صابر بركات ولاتختلف نهايتها عن المعتاد.
 تخلل هذه الفترة العديد من إضرابات العمال "عمال السكة الحديد" و "إسكو" و"المحلة"و "الحديد والصلب بحلوان".
 إنتهت حقبة "يوركشير الشرق" بعدة أحداث فارقة:
 إصابة فتاة بسرطان الرئة وإصابة شاب بسرطان الكبد وكانا من أصدقاء اليسار وعمرهما دون الثلاثين ،ثم اختفى زكريا سيد بكر فى واقعة إختفاء قسرى فى 88 ، ولم يعد حتى الآن !!!
 إلا أن المفارقة الكبرى هى قيام احد شباب اليسار ببيع كليته ،ليظهر بعد ذلك موزعا نقوده على أصدقائه فى البارات ،ومختفيا بعد أن نفذت نقوده.
 هربنا من دخان ناروبين إلى مصر الجديدة ململمين جراحنا،لكن السؤال يعود بقوة،ثم يعاود الإختفاء المؤقت مع نداءات "كفاية" المدوية،ويكتشف الجميع أن "كفاية" غير كافية،فتدوى إحتجاجات عمالية وشعبية،ثم تهمد بسرعة.
 يصبح إنهيار دولة المماليك ماثلا فى الصدارة،مصحوبا بعنف النزع الأخير ضد الجميع،وتتوالى أحداث تسقط ايا من الأنظمة المحترمة،وتقابلها المعارضة بلا مبالاة شديدة وكأنها "نحست" و آخرها إنهيار الدويقة. 
يعود السؤال بقوة
 ........................................................... ،اللى اشتريته انباع
 وافقت بسرعة على الذهاب مع الأسرة إلى أسوان علنى أهزم كآبتى،لم أبال بعدم وجود تذاكر لقطارات النوم،وبعد فترة ترددت خوفا من القطار المكيف المخصوص،لكن ابنتى أقنعتنى بأنه لافرق ،كل القطارات تقطع المسافة فى 12 ساعة.
 كانت المفاجأة فى تأخر القطار ساعة عن موعد القيام،ثم قطع المسافة فى 16 ساعة،لنصل الساعة السادسة والنصف بدلا من الساعة الثانية عشرة والنصف،ودورة المياه فى المكيف المخصوص أجارك الله،ولا يمكن تخيل إمكانية إستخدام السيدات للدورة،فى المكيف المخصوص أبو 105 جنيه. كيف يمكن تحمل مواطن 12 ساعة فى قطار غير مجهز للإستخدام الآدمى؟12 ساعة هى المسافة بين مصر وأمريكا، ما بالك ب16 ساعة؟.
 فى أسوان طبيعة خلابة وقاسية،ومتاحف ومعابد بعضها معتنى به ،و الآخر كأنه حظيرة مواشى،الموظف والحراس ذوو ذقون لم تحلق كأنهم قاموا من على أسرتهم فى التو،مهتمون بزجر الأطفال وإبعادهم عن الآثار،ومهتمون أيضا بالشرح لنا حيث لا علامات أو لوحات إرشادية أملا فى البقشيش، الآثار ملقاة على الأرض بلا عناية،لايستثنى إلا أبو سمبل وفيلة والمتحف النوبى، وفى إدفو يقدمون فيديو باللغة الإنجليزية فقط دون ترجمة عربية يتحدث فيه كالعادة زاهى حواس كما لو أن هيئة الآثار خلت من غيره.
 درجة الإهمال فى متحف أسوان وكوم أمبو وإدفو تشعرك بالخطر وبأن المهرجانات القاهرية ما هى إلا فقاعات صابون.
 أحفاد الفراعنة يتسولون،"هالو" "وان يورو؟"،كلما اقتربت من معبد جاءك النداء:"هالو...وان يورو؟". 
...........................................................واللى بنيته ضاع
 لفت إنتباهى الحضور القوى للنوبيين كبشر وثقافة،ثم الشكوى المريرة من احساسهم بالتمييز والإضطهاد،منذ التهجير لبناء السد وحتى الآن،المراكبى الحزين لم يلتفت لنا إلا عندما سمعنى أحكى عن مختار جمعة عضو مجلس الشعب السابق عن التجمع،وحكى فى مرارة شديدة عن فقدان أشياء كثيرة تحت بحيرة ناصر،سائق نوبى قال لنا أن النوبيين هم أقباط مصر الحقيقيون،والنكبة جاءت منذ الفتح العربى"نحن أصل مصر ،لوننا ثابت لم يتغير"،واضح أنه تخيلنا مسيحيين،رددت عليه:السلام عليكم.
 تعجبت من حديث السائق المتطابق مع أفكار الأنبا توماس!!!
.........................................................راح اللى راح
 ما عادش فاضل كتير
 لماذا تحب هذه البلد وتعشق ترابهاوتمرمغ رأسك فى ترابها؟
 ياعم صلاح
 ماعادش فاضل كتير على سقوط المماليك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق